ابن أبي الحديد

148

شرح نهج البلاغة

ابن آدم ، بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا ، ولا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعا ، وإذا رأيت الناس في الخير فقاسمهم فيه ، ( 1 ) وإذا رأيتهم في الشر فلا تغبطهم عليه . البقاء ( 2 ) هاهنا قليل ، والبقاء هناك طويل ، أمتكم آخر الأمم وأنتم آخر أمتكم ، وقد أسرع بخياركم فما تنتظرون ( 3 ) ؟ المعاينة ! فكأن قد . هيهات هيهات ، ذهبت الدنيا بحاليها ( 4 ) وبقيت الأعمال قلائد في الأعناق ، فيا لها موعظة لو وافقت من القلوب حياة ! ألا إنه لا أمة بعد أمتكم ، ولا نبي بعد نبيكم ، ولا كتاب بعد كتابكم . أنتم تسوقون الناس والساعة تسوقكم ، وإنما ينتظر ( 5 ) بأولكم أن يلحق آخركم . من رأى محمدا صلوات الله وسلامه عليه ، فقد رآه غاديا رائحا ، لم يضع لبنة على لبنة ، ولا قصبة على قصبة . رفع له علم فسما إليه ، فالوحي الوحي ، النجاء النجاء ! على ماذا تعرجون ! ( 6 ذهب أماثلكم وأنتم ترذلون ( 7 ) كل يوم ، فما تنتظرون 6 ) ! إن الله بعث محمدا على علم منه ، اختاره لنفسه ، وبعثه برسالته ، وأنزل إليه كتابه ، وكان صفوته من خلقه ، ورسوله إلى عباده ، ثم وضعه من الدنيا موضعا ينظر إليه أهل الأرض ، فآتاه فيها قوتا وبلغة ، ثم قال : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) ( 8 ) ، فركن أقوام إلى غير عيشته ، وسخطوا ما رضى له ربه ، فأبعدهم وأسحقهم . يا بن آدم ، طئ الأرض بقدمك ، فإنها عن قليل قبرك ، واعلم أنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك ، رحم الله امرأ نظر فتفكر ، وتفكر فاعتبر ، واعتبر

--> ( 1 ) البيان : ( فأنافسهم ) . ( 2 ) البيان : ( الثواء ) . ( 3 ) ب : ( فلا تنتظرون المعاينة ) ، وما أثبته من ج والبيان والتبيين . ( 4 ) بحاليها ، أي حالتي الخير والشر . ( 5 ) البيان : ( وإنما ينتظر بأولكم ) . ( 6 - 6 ) البيان : ( أتيتم ورب الكعبة ، قد أسرع بخياركم ، وأنتم كل يوم ترذلون فماذا تنتظرون ) . ( 7 ) ترذلون : تصيرون رذلاء ( 8 ) سورة الأحزاب 21